حجم الخط + -
2 minutes read

في وقت كان العراقيون ينتظرون من حكومة “الخدمات” أن تطلق ثورة صناعية، أو على الأقل خطة تنموية تليق بدولة نفطية مأزومة، فاجأ مجلس الوزراء العراقي البلاد مع مطلع 2026 بحزمة قرارات بدت أقرب إلى “تصفية مخازن” منها إلى سياسة إصلاح.

إعلانٌ مبكر لإفلاس فكري، قبل أن يكون ماليًا فبوصلة الإصلاح في مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني انحرفت بالكامل، لتسقط من لغة المشاريع الاستراتيجية إلى منطق السكراب ومزادات السيارات القديمة.

الحكومة… تاجر خردة رسمي

بموجب القرارات الجديدة، شرعت الحكومة ببيع سيارات الدولة التي تجاوز عمرها 15 عامًا، مع منع تعويضها أو استبدالها، في الظاهر، يبدو القرار تقشفيًا، لكن في العمق هو تعطيل مباشر لمفاصل الدولة.

كيف يمكن تخيل مؤسسات بلا وسائل نقل؟ وكيف يُطلب من دوائر خدمية ملاحقة شؤون المواطنين بلا أدوات عمل، فقط لأن الحكومة قررت “التوفير” من جيبها الإداري؟

الأخطر من ذلك، أن القرار لم يتوقف عند السيارات، بل طال الآليات الإنشائية والمولدات والمعدات، تحت عنوان “الفائض أو العاطل”، وبدل تأهيلها أو إعادة توظيفها ضمن خطة بنى تحتية، اختارت الحكومة لعب دور الدلال في سوق الهرج، متناسية أن هذه الأدوات ليست خردة، بل عصب العمل الميداني لأي دولة تحترم نفسها.

أجواء العراق… مقابل وقود مفقود

وبضربة قلم، خُفِّضت حصص الوقود للوزارات بنسبة 50%. أما البديل، فهو التحول إلى الطاقة الشمسية خلال ستة أشهر! قرار يكشف بوضوح أن من صاغه يعيش خارج الجغرافيا العراقية.

في بلد يعاني الغبار الدائم، وغياب البنية التحتية للطاقة المتجددة، والتعقيدات الإدارية في استيراد أبسط المنظومات، تطلب الحكومة «قفزة كونية» بنصف عام.

البيئة هنا ليست الهدف بل ذريعة، الهدف الحقيقي هو تصدير ما يتبقى من الوقود، وكأن أزمة العراق المالية ستُحل بما يُقتطع من حصة آلية بلدية أو سيارة إسعاف.

الحرب على العقول: الشهادة الأولى… مصير أبدي

أما الذروة، فهي المجزرة الأكاديمية التي ارتكبها القرار المتعلق بالشهادات، اعتماد الشهادة التي عُيّن بها الموظف “نهائية”، ومنع احتساب أي شهادة أعلى، هو إعلان رسمي لقتل الطموح، يبدو أن رسالة الحكومة واضحة: لا تدرسوا، لا تطوروا أنفسكم، فالدولة لا تريد موظفين أذكى، بل أهدأ، فإيقاف البعثات والإجازات الدراسية لخمس سنوات ليس إجراءً ماليًا، بل تصحير علمي متعمد.

بينما تتسابق دول العالم على استقطاب العقول، يغلق العراق أبواب المعرفة، ويكبل موظفيه بسقفٍ علمي منخفض، مع استثناءات ضيقة تُستخدم فقط كذر للرماد في العيون.

الهروب من الأزمة… إلى جيوب الموظفين

بدل مواجهة الحيتان، والمنافذ الحدودية المنفلتة، والتهريب المنظم، ورواتب الدرجات الخاصة، اختارت حكومة السوداني الطريق الأسهل: الوقود، السيارة، الموظف، الطالب.

هذا ليس حلا، بل اعتراف صريح بالعجز عجز عن هيكلة الاقتصاد، وعجز عن ضبط الفساد، وعجز عن إنتاج حلول حقيقية، فكان الخيار هو «تجميد الحياة الإدارية» ومنع الحركة والنقل والتطور.

ما يجري ليس إصلاحًا، بل انكماش ذعري حيث دولة تتحول إلى آلة جباية، تبيع أصولها، وتفرض أجور حماية، وتخنق طموح موظفيها، وتتعامل مع الأزمة بعقلية شركة مفلسة تبيع أثاث المكتب لتسديد فاتورة الكهرباء.

حكومة السوداني التي رفعت شعار “الإنجاز”، تبدو اليوم وكأنها تدير دولة بلا رؤية، وبلا أفق، وبلا شجاعة لمواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة.