حجم الخط + -
1 minute read

لم يكن حسين باسم الجياشي يعلم أن الرحلة التي بدأها من السماوة إلى بغداد ستنتهي في أعماق نهر دجلة.

جاء ابن الثمانية عشر عاماً إلى العاصمة بحثاً عن فرصة عمل تعينه على إعالة أسرته الصغيرة، يحمل في جيبه الأمل وفي قلبه الخوف من المجهول، لكن المدينة التي قصدها طمعاً بالحياة كانت أكثر قسوة مما تخيّل.

لحظة السباحة التي تحولت إلى مأساة

في مساءٍ حار من أواخر تشرين الأول، أنهى حسين يومه في أحد مواقع العمل، وقرّر مع أصدقائه أن يخففوا عن أنفسهم تعب اليوم بالسباحة في دجلة عند منطقة الكريعات، لم يكن المكان مهيّأ للسباحة، لكن ضيق العيش لا يترك خيارات كثيرة لمن جاءوا مثله من مدن الجنوب بجيوب فارغة وأجساد مرهقة، فنزل حسين إلى الماء ولم يخرج بعدها.

خمسة عشر يوماً من البحث والأمل المفقود

بدأت رحلة بحثٍ طويلة استمرّت أكثر من خمسة عشر يوماً، شاركت فيها فرق الشرطة النهرية والغواصون، فيما كانت أمه تنتظر على ضفةٍ من الصبر والدمع، تراقب المياه التي ابتلعت فلذة كبدها دون أن تردّه.

العثور على الجثة والتشييع المؤلم

في التاسع والعشرين من تشرين الأول، أعلنت قيادة شرطة الكرخ العثور على جثّته بعد التعرف عليها من قبل ذويه.

وبينما كانت بغداد تستعد ليومٍ جديد من صخبها، كان نعش حسين يُشيّع وسط المئات من الأهالي الذين ودّعوه بهتافات تختلط فيها الدموع بالغضب.

حلم ضائع: صورة أكبر لمأساة الشباب في العراق

ليست قصته الأولى، لكنها الأكثر وجعاً فكل عام يبتلع نهر دجلة عشرات الشبان الذين جاؤوا مثله بحثاً عن الرزق، فينتهي بهم الطريق بين الموج والطين.

تتكرّر المأساة، لكن أحداً لا يسأل: لماذا يتحوّل البحث عن لقمة العيش إلى طريقٍ نحو الموت؟

في بلدٍ غني بالنفط والوعود، يغرق شبابه في الفقر، وتغيب عنهم فرص العمل والكرامة، فيتحوّل الحلم إلى رحلة محفوفة بالخطر  من الطرق الوعرة إلى النهر الذي لا يعيد أبناءه.

رحل حسين، لكن صورته صارت مرآةً لجيلٍ كاملٍ يصارع كي يعيش، وجعلت من دجلة شاهداً جديداً على مفارقةٍ مؤلمة:

أن يموت الإنسان في بلدٍ لا يفتقر إلى الثروات، بل إلى العدالة التي تحفظ له حقّ الحياة.