حجم الخط + -
2 minutes read

ضجّت الساحة السياسية العراقية صباح اليوم بخبر صدر عن مجلس القضاء الأعلى، أعلن فيه موافقته الرسمية على إحالة رئيس المحكمة الاتحادية العليا، القاضي جاسم محمد عبود العميري، إلى التقاعد لأسباب صحية.

هذا القرار المفاجئ أثار موجة واسعة من التحليلات والتكهنات، نظراً لحجم الملفات المثيرة للجدل التي ارتبطت بفترة رئاسة العميري للمحكمة، والدور الحساس الذي لعبته المحكمة في رسم المشهد الدستوري والسياسي خلال السنوات الأخيرة.

فترة مثقلة بالتوترات والقرارات المصيرية

القاضي العميري تولّى رئاسة المحكمة الاتحادية في مرحلة دقيقة من تاريخ العراق السياسي، حيث كانت البلاد تمر بحالة من الاستقطاب الشديد بين القوى السياسية، وخلال فترة ولايته، أصدرت المحكمة عدداً من القرارات المفصلية التي كانت لها تداعيات كبيرة، من بينها:
ـ منع ترشح هوشيار زيباري لمنصب رئاسة الجمهورية عام 2022.
ـ إصدار قرار بوقف تمويل رواتب موظفي إقليم كردستان، ما فاقم الخلافات المالية بين بغداد وأربيل.

ـ إبطال اتفاقية خور عبد الله البحرية مع الكويت، وهو قرار أثار جدلاً إقليمياً واسعاً وتسبب في توتر دبلوماسي بين البلدين.

هذه القرارات، وغيرها، دفعت العديد من المراقبين إلى اتهام المحكمة بالخضوع لضغوط سياسية، وتحويلها من جهة رقابية على الدستور إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

قرار الإحالة في سياق متأزم

لم يكن قرار الإحالة إلى التقاعد معزولاً عن السياق العام، إذ جاء بعد أسابيع فقط من أزمة داخل المحكمة نفسها، حين قدم تسعة قضاة استقالاتهم احتجاجاً على ما وصفوه بـ”تدخلات وتأثيرات سياسية على عمل المحكمة”، ما أدى إلى تعطيل النظر في قضايا حساسة، من بينها الخلافات الحدودية البحرية مع الكويت، والنزاع المالي المزمن بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.

 

ويرى محللون أن إحالة العميري إلى التقاعد قد تكون محاولة لامتصاص الغضب المتصاعد داخل الجسم القضائي، وتهدئة التوتر السياسي، وتهيئة الأرضية لإعادة هيكلة المحكمة وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين السلطات الثلاث.

تحديات المرحلة المقبلة

ورغم أن قرار الإحالة قد يفسَّر على أنه بداية لإصلاح محتمل، إلا أن التحديات ما تزال قائمة، إذ يشير مراقبون إلى أن الملفات التي فجّرت الخلافات ما زالت عالقة، فالسؤال المركزي المطروح الآن هو: هل سيتمكن الرئيس الجديد للمحكمة من استعادة ثقة الشارع والطبقة السياسية، وضمان استقلال القضاء؟

كما أن التساؤلات تزداد حول مدى قدرة السلطة القضائية على تحصين نفسها من التأثيرات السياسية، لا سيما في ظل بيئة سياسية متقلبة، حيث تتداخل الولاءات الحزبية والمصالح مع المؤسسات الدستورية.

ما وراء الإجراء الإداري

من المهم التأكيد على أن إحالة القاضي العميري إلى التقاعد لا يمكن اختزالها في كونها مجرد إجراء إداري اعتيادي. بل هي مؤشر واضح على أن المؤسسة القضائية تمر بمرحلة إعادة تموضع، قد ترسم ملامح جديدة للعلاقة بين القضاء من جهة، والسلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة أخرى، فهل تكون هذه الخطوة بداية لإصلاح حقيقي في القضاء العراقي، أم أنها مجرد تحريك لقطع الشطرنج في لعبة سياسية أكبر.