حجم الخط + -
3 minutes read

مع اشتداد لسعات الشمس في البصرة وتحت جنح من تماهل الجهات المسؤولة يتسلل إلى المواطنين قاتل صامت، يخلط سم الملوحة بعسل المياه العذبة، إنه اللسان الملحي.

مركز التأثر

في محافظة البصرة، تتعاظم مشكلة اللسان الملحي لتتحول من خدمية إلى معاناة إنسانية تضرب حياة الملايين، وتلقي بظلالها على صحة المواطنين والزراعة والاقتصاد المحلي، ورغم مرور سنوات على إطلاق مشروع “تحلية مياه البحر الكبير”، فلا يزال يراوح مكانه بين الدراسات والتخصيصات والوعود المتكررة من الجهات المسؤولة.

مياه مالحة لا تصلح للشرب

يعاني سكان البصرة منذ عقود من ارتفاع نسبة الملوحة في شط العرب، خاصة في فصل الصيف عندما يتوغل اللسان الملحي القادم من الخليج، ومع غياب مصادر مياه عذبة كافية يضطر البصريون إلى شرائها بأسعار مرتفعة أو اللجوء إلى حلول مؤقتة وغير مضمونة الجودة.

أرقام تضع الأزمة في إطارها الحقيقي

• نسبة الملوحة تجاوزت معايير منظمة الصحة العالمية بأرقام صادمة: وصلت إلى 30,000 جزء في المليون (TDS) في الفاو، 19,000 في مركز المدينة، و5,800–6,000 في شمال الهارثة، في حين أن الحد المسموح به وفق منظمة الصحة العالمية هو 1,000 TDS فقط.
• عدد السكان المتأثرين: أكثر من 4.5 مليون نسمة يعانون شح المياه العذبة، ويعتمد معظمهم على المياه المعبأة والمياه المنقولة بالصهاريج، ما يثقل كاهلهم اقتصادياً.
• تكلفة مشروع التحلية: تقدر بحوالي 3 مليارات دولار وفق مصادر رسمية، وهو المشروع الأكبر من نوعه في العراق.
• الطاقة الإنتاجية المتوقعة: يُفترض أن ينتج المشروع حوالي مليون متر مكعب يومياً، لتغطية الحاجة الفعلية للمحافظة مع إمكانية تزويد القطاعات الزراعية بالفائض.

مشروع التحلية… وعود بلا تنفيذ

مشروع “محطة تحلية مياه البحر الكبير” الذي يُعوَّل عليه أن يكون الحل الاستراتيجي لأزمة المياه في البصرة، لا يزال متعثرا برغم مرور أكثر من سبع سنوات على طرحه. المشروع الذي من المفترض أن يكون قد انطلق قبل أعوام، يواجه تأخيرات بسبب مشكلات مالية وإدارية، إضافة إلى غياب قرار حكومي حاسم لفترات طويلة.

ضمانات قانونية وموازنات

في معرض تحركه إزاء الأزمة وافق مجلس الوزراء في مايو 2025 على إحالة المشروع بشكل رسمي، مع تغطية الزيادة في التكاليف ضمن موازنة 2025، هذه الخطوة جاءت بعد ضغط شعبي ورسمي متواصل، وتعد أول التزام مالي مباشر بهذا المستوى منذ إطلاق فكرة المشروع.

وعود العيداني… بين الأمل والتأجيل

في تصريحات إعلامية حديثة، تعهد محافظ البصرة أسعد العيداني بإكمال متطلبات المشروع في غضون الأشهر القليلة المقبلة، مؤكداً أن كل الموافقات الفنية والإدارية أصبحت جاهزة، وأن المشروع بات في مراحله الأخيرة قبل التنفيذ.

وأردف العيداني: “نحن على تواصل مستمر مع الجهات المركزية في بغداد لضمان تسريع الإجراءات، البصرة عانت طويلاً ولا مجال للمزيد من التأخير.”

ورغم هذه التصريحات التي تبعث الأمل في نفوس المواطنين، إلا أن كثيرين ينظرون لها بعين الريبة في ظل تراكم الوعود السابقة التي لم تُنفذ.

التدخل الطارئ: حلول مؤقتة قبل التشغيل الكامل

ومع استمرار الأزمة، اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات إسعافية مؤقتة، فقد أصدرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان تحذيراً رسمياً بأن البصرة تواجه “أسوأ أزمة مياه منذ 80 عاماً”.
وعلى إثر ذلك، أعلنت وزارة الداخلية، إرسال 100 حوضية مياه مجانية إلى الأحياء المتضررة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات السكان اليومية.

كما يجري حالياً التنسيق لاستيراد محطات تحلية متنقلة (UF/RO) لتوزيعها على المناطق الأكثر تضرراً، في محاولة لتخفيف الأزمة قبل بدء تشغيل المحطة الكبرى.

آخر المستجدات: انفراجة قريبة؟
• أعلن محافظ البصرة أسعد العيداني عن قرب انطلاق الأعمال الإنشائية للمشروع بعد استكمال الموافقات الرسمية.
• رُصد تصاعد غير مسبوق في ملوحة المياه هذا العام، حيث وصلت نسبة الملوحة في بعض مناطق مركز البصرة إلى 14,000 TDS، مع تحذيرات من أنها قد تصل إلى 30,000 TDS خلال موسم الصيف إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
• تم الاتفاق مع ائتلاف من ثلاث شركات دولية، من بينها شركة Shanghai Electric الصينية، لتنفيذ المشروع على ساحل الفاو خلال الأشهر المقبلة.

أزمة تحتاج إلى حل جذري

الخبراء في شؤون المياه يؤكدون أن أزمة البصرة لن تُحل بمعالجات مؤقتة، بل تتطلب الإسراع في إنجاز مشاريع التحلية وتطوير شبكات نقل المياه، إلى جانب معالجة التلوث البيئي الذي يهدد شط العرب ويزيد من معاناة الأهالي.

يُذكر أن السنوات الأخيرة شهدت موجات احتجاج شعبية واسعة في البصرة للمطالبة بتحسين جودة المياه والخدمات الأساسية، ما يجعل ملف “عطش البصريين” ليس مجرد أزمة خدمية، بل قضية إنسانية وأمنية قابلة للانفجار في أي لحظة.